هل تساءلت يومًا لماذا تختلف نكهات القهوة بشكل كبير، حتى وإن كانت من نفس النوع أو المنطقة؟ السر يكمن غالبًا في طرق معالجة حبوب البن بعد قطفها مباشرة. هذه العمليات هي التي تحول ثمرة البن (الكرز) إلى حبة البن الخضراء الجاهزة للتحميص، وتلعب دورًا حاسمًا في تحديد الملامح النهائية للنكهة في فنجانك.
دعونا نتعرف على أبرز ثلاث طرق لمعالجة القهوة، وكيف تؤثر كل منها على النكهة:
1. المعالجة المجففة (الطبيعية) – Natural / Dry Processed
تُعد هذه الطريقة هي الأقدم والأكثر بساطة، وتُستخدم بشكل شائع في المناطق التي تعاني من نقص المياه أو لديها ظروف مناخية جافة ومستقرة.
كيف تتم؟ بعد قطف كرز البن الناضج، يُنشر بالكامل (مع اللب والجلد) تحت أشعة الشمس على أسِرَّة مرتفعة أو أرضيات خرسانية. يُقلّب الكرز بانتظام لضمان التجفيف المتساوي ومنع العفن. تستمر هذه العملية لعدة أسابيع حتى يجف الكرز تمامًا وتصبح الحبوب الداخلية صلبة. بعد ذلك، تُزال الطبقات الخارجية يدويًا أو آليًا.
تأثيرها على النكهة: تُعرف القهوة المعالجة طبيعيًا بنكهتها الفاكهية المكثفة، وقوامها الثقيل (Full Body)، وغالبًا ما تحمل إيحاءات التوت، الفراولة، أو الفواكه الاستوائية، مع حلاوة واضحة. يرجع ذلك إلى أن السكريات الموجودة في لب الكرز تتغلغل داخل الحبة أثناء عملية التجفيف، مما يضيف تعقيدًا وحلاوة فريدة.
2. المعالجة المغسولة (الرطبة) – Washed / Wet Processed
تُعتبر هذه الطريقة هي الأكثر حداثة وتُستخدم على نطاق واسع في المناطق ذات الوفرة المائية، وتُنتج قهوة ذات نكهة نظيفة وأكثر إشراقًا.
كيف تتم؟ بعد القطف، يُمرر كرز البن عبر آلات لإزالة الجلد الخارجي واللب (Depulping)، تاركًا الحبة محاطة بطبقة مخاطية لزجة. تُنقل الحبوب بعد ذلك إلى خزانات تخمير كبيرة مليئة بالماء، حيث تُترك لتتخمر. تعمل عملية التخمير على تكسير الطبقة المخاطية. بعد انتهاء التخمير (الذي قد يستغرق من 12 إلى 72 ساعة)، تُغسل الحبوب جيدًا بالماء لإزالة أي بقايا مخاطية، ثم تُجفف في الشمس أو بواسطة مجففات ميكانيكية حتى تصل إلى مستوى الرطوبة المطلوب.
تأثيرها على النكهة: تُنتج القهوة المعالجة مغسولة نكهة نظيفة، حادة، ومشرقة (Bright Acidity). غالبًا ما تتميز بإيحاءات حمضية منعشة مثل الليمون أو التفاح، مع قوام أخف ونكهات واضحة تعكس المنطقة التي زُرعت فيها القهوة بشكل أكبر. يُفضلها الكثيرون لشفافية النكهة التي تسمح بتذوق خصائص الحبة الأصلية بوضوح.
3. المعالجة بالعسل (المجففة جزئيًا) – Honey Processed
تُعد هذه الطريقة مزيجًا بين المعالجة الطبيعية والمغسولة، وتُسمى “عسلية” ليس لوجود العسل فيها، بل بسبب الملمس اللزج الشبيه بالعسل الذي يتبقى على الحبة أثناء التجفيف.
كيف تتم؟ بعد القطف، تُزال القشرة الخارجية لكرز البن فقط، لكن يُترك جزء من الطبقة المخاطية اللزجة (Mucilage) محيطًا بالحبوب. تُجفف الحبوب بعد ذلك في الشمس على أسِرَّة مرتفعة، مع التقليب المستمر لمنع الالتصاق والعفن. كمية اللب المتروكة على الحبوب أثناء التجفيف تحدد أنواع “العسلية” المختلفة (أصفر، أحمر، أسود) بناءً على كمية اللب المتبقية ومدة التجفيف.
تأثيرها على النكهة: تقدم القهوة المعالجة بالعسل نكهات تجمع بين حلاوة القهوة الطبيعية ونظافة القهوة المغسولة. تتميز بـقوام متوسط إلى ثقيل، وحلاوة متوازنة، وإيحاءات فاكهية معقدة تختلف حسب نوع المعالجة بالعسل. غالبًا ما تجد فيها لمحات من الفاكهة المجففة، الكراميل، أو الشوكولاتة، مع حمضية لطيفة.
كل طريقة معالجة تضفي توقيعًا فريدًا على حبوب البن، مما يخلق تنوعًا لا نهائيًا من النكهات لتستكشفها. في المرة القادمة التي تستمتع فيها بفنجان قهوتك، حاول أن تتساءل عن طريقة معالجتها، فقد تكون هذه هي البداية لرحلة اكتشاف نكهات جديدة ومثيرة!
